عبد الوهاب الشعراني

508

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

واعلم يا أخي أن حكمة النهي عن المماراة في العلم هو للاستهانة به ، فيجلس الفقيهان يتكلمان بالعلم ولا يقصدان العمل وقلوبهم غافلة عن العمل بالكلية ويشكك كل واحد منهما الآخر فيما يفهمه ويدخل عليه الشبهة ولا يعلمه بالجواب ، وإلا فلو شككه ثم أجابه وعلمه الجواب لما نهي عنه بل هو مطلوب لأن فيه امتحانا للطالب ليختبر به علمه وجهله وكثيرا ما يكون طالب العلم جازما بحكم فهمه من الآية أو الحديث فيجلس مع بعض المجادلين فيدخل عليه التشكيك ثم يلتهي عنه بأمر فيصير ذلك الطالب مترددا فيما كان جازما به وليس ذلك من شأن أهل الإيمان الصادق ، وهذا المعنى الذي فهمته من حكمة النهي عن المماراة اقتبسته من حديث مسلم وغيره في شأن رؤية الباري جل وعلا في القيامة : « هل تمارون في رؤية الشّمس والقمر ليس دونهما سحاب » الحديث . ففسر الشارحون هناك قوله تمارون : أي تشكون فكذلك يكون المعنى هنا ومن ظفر بنقل في ذلك فليلحقه بهذا الموضع من هذا الكتاب واللّه أعلم . وروى الترمذي وغيره مرفوعا : « من تعلّم العلم ليجادل به العلماء أو ليماري به السّفهاء فليتبوّأ مقعده من النّار » . وروى أبو داود والترمذي وغيرهما مرفوعا : « من آتاه اللّه علما فبخل به عن عباد اللّه وأخذ عليه طمعا وشرى به ثمنا ، وكذا وكذا حتّى يفرغ الحساب » واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن التهور في رواية الحديث : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهور في رواية الحديث بل نتثبت في كل حديث نرويه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا نرويه عنه إلا إن كان لنا به رواية صحيحة . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : لا ينبغي لفقيه أن يروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثا إلا إن كان له به علامة يعرف بها ، أن ذلك من كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إما من طريق النقل وإما من طريق سؤاله للنبي صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك الحديث ، وقوله هو من كلامي يقظة ومشافهة ، هذا كله فيما كان ضعيفا من طريق النقل ، أما ما صح من طريق المحدثين واستحسن فلا يحتاج إلى سؤاله صلى اللّه عليه وسلم فيه . فاعلم يا أخي أن أكثر من يقع في خيانة هذا العهد المتصوفة الذين لا قدم لهم في الطريق فربما رووا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما ليس من كلامه لعدم ذوقهم وعدم فرقانهم بين كلام النبوة وكلام غيرها ، ولو أنهم كانوا من العارفين لعرفوا كلام النبوة وميزوه عن غيره ، فإن لامعة نور النبوة لا تخفى على من في قلبه نور . وقد سمعت بعضهم يحكي قول أبي محمد الكتاني رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت له يا رسول اللّه ادع اللّه لي أن لا يميت قلبي ، فقال : قل كل يوم أربعين مرة : يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت ، وهي رؤية منام فصار هذا يرويه عنه على إيهام أنه صلى اللّه عليه وسلم قاله لأصحابه ، ورواه عنه الأئمة الحفاظ وهو وهم فاحش ، فلولا أنني أعلمته بذلك ما علمه . وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه اللّه يقول :